محمد عزة دروزة

461

التفسير الحديث

ولقد روى الطبري عن قتادة والهذلي من علماء التابعين أنه لما نزلت * ( عَذابِي أُصِيبُ بِه مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * وهي الآية السابقة للآيتين ، قال إبليس : أنا من ذلك الشيء ، فأنزل اللَّه : * ( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) * فقال النصارى واليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات اللَّه وتمنوا أن تكون الآية فيهم فأنزل اللَّه : * ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ ) * إلخ الآية . وروى كذلك عن نوف البكالي وهو يهودي الأصل أن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلَّمه اللَّه فقال إني بسطت لهم الأرض طهورا ومساجد يصلَّون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلَّا عند مرحاض أو قبر أو حمام . وجعلت السكينة في قلوبهم وجعلتهم يقرأون التوراة عن ظهر ألسنتهم ، فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل فقالوا لا نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في التابوت ولا نستطيع أن نقرأ التوراة إلَّا نظرا . ولا نصلي إلَّا في الكنيسة فقال اللَّه فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة حتى بلغ أولئك هم المفلحون . فقال موسى عليه السلام : يا ربّ اجعلني نبيهم ، قال : نبيهم منهم . قال : اجعلني منهم ، قال : لن تدركهم . والتفكك والغرابة باديتان على الروايتين . وينقض الأخيرة منها نصّ الآية الثانية التي تأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالهتاف بالناس بأنه رسول اللَّه إليهم جميعا . وليس شيء منها واردا في كتب الأحاديث المعتبرة . والذي يتبادر لنا أن الآيتين قد جاءتا استطرادا بعد الآية السابقة لتبين الأولى منهما هوية الذين وعدتهم الآية السابقة برحمة اللَّه الواسعة أو لتكون بدلا بيانيا عنها وهم اليهود والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدون صفاته في التوراة والإنجيل الذي من صفاته ورسالته أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإباحة الطيبات لهم وتحريم الخبائث عنهم وتحريرهم من القيود والتكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم ولم تعد حكمة اللَّه تقتضي دوامها في عهد هذا النبي . ولتأمر الثانية النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالهتاف بأنه رسول اللَّه إلى الناس جميعا وأنه مؤمن باللَّه وبكلماته